ابن خلدون
324
تاريخ ابن خلدون
المستأمنين وأحسن إليهم ليستميل وتابع الموفق وابنه قتال الزنج وقتل بهبود بن عبد الواحد من قواد الخبيث في تلك الحروب فكان قتله من أعظم الفتوح وكان قتله في السفن البحرية ينصب فيها أعلاما كأعلام الموفق ويخايل أطراف العسكر فيصيب منهم وأفلت في بعض الأيام من يد أبى العباس بعد أن كان حصل في قبضته ثم خيل أخرى لبعض السفن طامعا فيها فحاربوه وطعنه بعض الغلمان منها فسقط في الماء وأخذه أصحابه فمات بين أيديهم وخلع الموفق على الغلام الذي طعنه وعلى أهل السفينة ولما هلك بهبود قبض الخبيث على بعض أصحابه وضربهم على ماله فاستفسد قلوبهم وهرب كثير منهم إلى الموفق فوصلهم ونادى بالأمان لبقيتهم ثم اعتزم على العبور إلى الزنج من الجانب الغربي وكانت طرقه ملتفة بالنخيل فامر بقطعها وأدار الخنادق على معسكره حذرا من البيات ثم صعب على الموفق القتال من الجانب الغربي لكثرة أو عاره وصعوبة مسالكه وما يتوجه فيها على أصحابه من خيل الزنج لقلة خبرتهم بها فصرف قصده إلى هدم أسوارهم وتوسعت الطرق فهدم طائفة من السور من ناحية نهر سلمى وباشر الحرب بنفسه واشتد القتال وكثرت القتلى في الجانبين وفشت الجراح وكانت في النهر قنطرتان يعبر منهما الزنج عند القتال ويأتون أصحاب الموفق من ورائهم فامر بهدمهما فهدمتا ثم هدم طائفة من السور ودخلوا المدينة وانتهوا إلى دار ابن سمعان من خزائن الخبيث ودواوينه ثم تقدموا إلى الجامع فخربوه وجاؤا بمنبره إلى الموفق بعد أن استمات الزنج دونه فلم يغنوا به ثم أكثروا من هدم السور وظهرت علامات الفتح ثم أصاب الموفق في ذلك اليوم سهم في صدره وذلك لخمس بقين من جمادى سنة تسع وستين فعاد إلى عسكره ثم صابح الحرب تقوية لقلوب الناس ثم لزم الفراش واضطرب العسكر وأشير عليه بالذهاب إلى بغداد فأبى فاحتجب عن الناس ثلاثة أشهر حتى اندمل جرحه ثم ركب إلى الحرب فوجد الزنج قد سددوا ما تثلم من الأسوار فامر بهدمها كلها واتصل القنال مما يلي نهر سلمى كما كان والزنج يظنون أنهم لا يأتون الا منها فركب يوما لقتالهم وبعث السفن أسفل نهر أبى الخصيب فانتهوا إلى قصر من قصور الزنج فأحرقوه وانتهبوا ما فيه واستنقذوا كثيرا من الساكن فيه ورجع الموفق آخر يومه ظافرا ثم بكر لحربهم فوصلت المقدمات دار أنكلاى بن الخبيث وهي متصلة بدار أبيه وأشار ابن أبان باجراء المياه على الساج وحفر الخنادق بين يدي العساكر وأمر الموفق بطم الخنادق والأنهار ورام احراق قصره وقصده من دجلة فمنع من ذلك كثرة الحماة عنه فامر ان تسقف السفن بالأخشاب وتطلى بالأدوية المانعة من الاحراق ورتب فيها انجاد أصحابه وباتوا على أهبة الزحف من الغد وجاء كاتب الخبيث وهو محمد